بسم الله الرحمن الرحيم
بعض ضوابط التأليف وأصوله
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد
فلقد حثنا الله سبحانه على حفظ العلم في الصدر وفي الكتابة،
قال النبي صلى الله عليه وسلم:" نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه " صحيح، أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث زيد بن ثابت.
وقال صلى الله عليه وسلم : (( قيدوا العلم بالكتاب )) صحيح أخرجه ابن حبان في صحيحة وصححه الألباني وغيره
وقال صلى الله عليه وسلم: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علّمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته"صحيح ابن ماجه
فكل هذه الأحاديث تبين أن الدين الإسلامي يدعو للعلم والتعلم والتعليم وتقيد العلم في كتاب
فالموفق هو من سار في حفظ العلم قلبا وكتابةً، التدوين (الكتابة) لون من ألوان حفظ العلم،
لأن العقل يغفل أما ما يكتبه القلم فيثبت بتوفيق الله.
ولقد ذكر العلماء أهمية كتابة العلم، وذلك لأن العلم المكتوب يستفيد منه عدد أكبر من الناس.
قال السيوطي:(( اللسان مقصورٌ على القريب الحاضر والقلم مطلق في الشاهد والغائب... والكتاب يُقرأ بكل مكان ويُدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه ولا يتجاوزه إلى غيره.))كتاب آداب التأليف للسيوطي
وقال ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر): (( رأيت من الرأي القويم أنّ نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة، لأني ُأشافه في عمري عددا من المسلمين وأشافه بتصانيفي خلقا لا تُحصى. ))
ومع ذلك تجد بعض الناس يقول متشائما: ما الفائدة من التأليف ؟ ومن الذي سيقرأ كتابي؟ الكتب كثيرة!
فنقول له:كن متفائلا، واعلم أن العلم والعمل النافع الخالص لله يمكث في الأرض. واستمع لهذه القصص عن أهل القدوة.
قيل للإمام الشافعي: إنك تعتني في تنظيف الكتب، وتصنيفها، والناس لا يلتفتون إلى كُتُبك ولا إلى تصنيفك. فقال:" يا ابني إن هذا هو الحق، والحق لا يضيع " آداب التأليف للسيوطي
وانظر ما قاله الإمام مالك حينما قيل له: ما الفائدة من تصنيفك، وقد صنّف ابن أبي ذئب أكبر من مصنفك هذا (يعني الموطأ) فقال: " ما كان لله بقى " (نحوه في تدريب الراوي)
* فأيُ الكتابين بقى ؟ ذهب كتاب ابن أبي ذئب ، وبقى موطأ الإمام مالك رحمه الله.
وللتدوين العلم وتأليف الكتب ضوابط وأصول فمن أراد تحصيل ثمرة التأليف فليراعي هذه الضوابط
فمن ضوابط التأليف:
1-عدم الاستعجال في التأليف والنشر ، إلا بعد إتقان العلم، ولا يكون ذلك إلا بعد دربة وممارسة، وكثرة القراءة والبحث، ولا بأس من أن يجمع الإنسان العلم عنده ويهذبه يوما بعد يوم حتى يجمُل ويكمُل للخروج للناس بعد ذلك.
*قال الإمام النووي رحمه الله:" وليحذر كل الحذر أن يشرع في التصنيف ما لم يتأهل له فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه وليحذر أيضا من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه وتكراراه ". كتاب مقدمة المجموع شرح المهذب
* ويقول ابن الجوزي رحمه الله مشيرا إلى هذا الأمر: ينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر، لأن أوائل العمر زمن طلب، وآخره كلال الحواس. كتاب صيد الخاطر
* وتأمل لما قاله القاضي عبد الرحيم البيساني مبينا الحكمة من عدم الاستعجال في نشر المؤلف قال:" إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده لو غيرتُ هذا لكان أحسن ، ولو زيد كذا لكان يُستحسن ، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل ، ولو ترك هذا لكان أجمل.. " كتاب إعلام العابد ،، للشيخ : مشهور آل سلمان .
وقد ذكر العلماء حكما أخرى لعدم الاستعجال في نشر المؤلف فقالوا:" من ألّف فقد وضع عقله بين يدي الناس ".
وقال السيوطي:" من صنّف فقد استُهدِف، فإن أحسن فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف ..".كتاب آداب التأليف
ومن الحكم أيضا ما ذكره بعض الكتاب المعاصرين حول أسباب انتشار الكتاب: أفضل وسيلة لتحصيل أعلى عدد من مبيعات لكتابك هو أن يكون الصواب فيه كثيرا، والخطأ فيه قليلا.
2-الإخلاص في التأليف
الإخلاص في التأليف من الأسباب المهمة لبقائه وحصول الانتفاع به .
ويتحصّل الإخلاص فيه: بأن يكون قصده بالتأليف طلب الأجر من الله، وتحصيل رضاه بنفع الخلق
لا طلب السمعة والجاه والخ
وقد ذكرنا أثرين في ذلك للإمامين الشافعي ومالك والذي قال فيه:"ما كان لله بقى "
وقد قال الذهبي عن الإمام أبي إسحاق الشيرازي :" مات وما عليه درهم ولا عنده درهم ، وما تزوج فيما أعلم ، وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا " كتاب سير أعلام النبلاء
وانظر على ما قيل عن الإمام البغوي: " بُورِكَ له في تصانيفه، ورُزِقَ فيها القبولَ التام، لحُسن قصده، وصِدق نيّته، وتنافس العلماءُ في تحصليها " كتاب سير أعلام النبلاء
واستمع لهذه القصة العجيبة عن الإمام الماوردي الشافعي فقد نقل الذهبي في السير أنّ:
الماوردي لم يُظْهِرْ شيئاً من تصانيفه في حياتِهِ، وجَمعها في موضع، فلما دَنَتْ وَفَاتُه، قال لمن يَثِقُ به: الكتبُ التي في المكان الفلاني كُلُّها تصنيفي، وإنما لم أُظْهِرها لأني لم أجد نِيَّةً خَالِصَةً، فإذا عَايَنْتُ الموتَ، وَوَقَعْتُ في النزع، فاجعل يَدَكَ في يدي، فإن قبضتُ عليها ، فاعلم أنه لم يُقبل مني شيءٌ منها، فاعْمِدْ إلى الكُتُب، وأَلْقِهَا في دَجْلَة، وإن بَسَطْتُ يدي، فاعلم أنها قُبِلَتْ.
قال الرجل: فلما احتُضِرَ، وَضَعْتُ يدي في يده، فبَسَطها، فَأظهرتُ كُتُبه . نحوه في كتاب سير أعلام النبلاء
3 . حسن الإختيار للموضوع
فيختار الموضوع الذي يعُم نفعه، ويكثر احتياجه، أو لم يسبق أن ُصنِّف مثله، وهكذا.
قال بعض أهل العلم:(( وإنما للمجتهدين في التصنيف أمران: 1- استنباط مسألة لم يسبقوا إلى استنباطها من حديث أو قرآن، 2- أو استدلال بآية أو حديث على مسألة سابقة قد يطرقها النكران ))
ويقول صحاب الأزدي : (( لا ينبغي لمصنف يتصدى لتصنيف أن يعدل عن غرضين :
1- إما أن يخترع معنى ،2- وإما أن يبتدع وضعا ومبني وما سوى هذين فهو تسويد أوراق والتحلى بحلية السرف )) كتاب آداب التأليف
ومعنى أن يخترع معنى: أن يأتي بفوائد لم تذكر،
ويبتدع وضعا ومبنى:يعني أن يؤلف الكتب بشكل جديد وطريقة أخرى ، كما فعل الإمام أحمد فرتب الأحاديث على طريقة المسانيد.
يقول ابن الجوزي: " وليس المقصود جمع كل شيء كان،وإنما هي أسرار يُطلع الله عز وجل من شاء من عباده ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق، أو يرتب ما شتت ، أو يشرح ما أهمل ، فهذا هو التصنيف النافع ". كتاب صيد الخاطر
4. أن يكون المصنّف سهلا مُبسّطا :
وذلك بترك التطويل، لئلا يحصل الملل ويُترك المُصنّف ويقلُّ الانتفاع به.
قال النووي: (( ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين، وخوف عدم انتشار الكتاب، وقلة الطالبين للمطولات، لبسطته (يتكلم عن أحد كتبه الفقهية ) حتى بلغت فيه ما يزيد على مئة من المجلدات من غير تكرار ولا زيادات عاطلات ، بل ذلك لكثرة فوائده وعِظم عوائده الخفيات )) شرح مسلم
وقد قيل عن يحيى بن أكثم:" كانت كتبه من أحسن الكتب لكنها تُركت لطولها "سير أعلام النبلاء
وقال البخاري: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
أي: كراهية أن يطول فيمله الناس ويبتعدوا عنه.
5- بذل الجهد والهمة والمال في التأليف
الجزاء من جنس العمل، والأجر على قدر النَصَب والتعب ولقد كان السلف يبذلون المال والصحة من أجل التأليف.
يقول أبو حفص بن شاهين: " حسبتُ ما اشتريت به حبرا إلى هذا الوقت فوجدته سبعمائة درهم " كتاب سير أعلام النبلاء
ويقول محمد بن سلام: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا، وأنفقت في نشره أربعين ألفا،
وليت ما أنفقت في طلبه أنفقته في نشره.
ويقول الربيع عن الشافعي: " لم أر الشافعي استخلا بنهارٍ ولا نائماً بليل لاهتمامه بالتصنيف ".كتاب آداب التأليف للسيوطي
تنبيه: مما يخل بالإخلاص ويُذهب بركة العلم: سرقة العلم، ومعنى سرقة العلم ومثاله هو : أن ينقل الإنسان من كتب غيره ثم لا يعزوه لهم ولا يبين أنه مأخوذ منهم، وإنما ينسبه لنفسه وكأنه من تأليفه. وهذا ليس من الأمانة العلمية، وكما قيل:( بركة العلم أن ينسب لأهله)
وقد ألّف الإمام السيوطي في ذلك كتابا يرد وينبه فيه على من سرق بعض كتبه، ومما قاله في هذا الكتاب : و لم أر صنيعا أحسن من صنع المزني حيث قال في أول مختصره الذي كساه الله بإخلاصه وإجلاله نورا ، وزاده في الآفاق سموا وظهورا ، قال في أول الكتاب: باب الطهارة ، قال الشافعي : قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا }
قال السيوطي :" أفما كان المزني رأى هذه الآية في المصحف فينقلها منه بدون عزوها إلى إمامه. ثم قال السيوطي قال العلماء : إنما صنع ذلك لأن افتتاح كتاب الطهارة بها من نظام الشافعي .."
ثم قال السيوطي ذاماً السارق:" والله إنّ سارقا يسرق الأشعار وهي بالنسبة إلى العلم رخيصة الأسعار ، فيعز ذلك على المسروق منه ويشتد ، وينبه على سرقته ، وعقد علماء البيان الثرية بابا في السرقات الشعرية ، كل ذلك في إعطاء الفضائل حقها ". انتهى
وأما عند النقل من الكتب، حاول أن تنقل الكلام كما هو ولا تنقله بمعناه،
قال احمد بن حمدان الحراني الحنبلي: " اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي ، إهمال نقل الألفاظ بعينها ، والاكتفاء بنقل المعاني ، مع قصور التأمل عن استيعاب مراد المتكلم الأول بلفظه .." كتاب صفة الفتوى
تنبيه 2 :
من الأمور التي لا تعتبر إخلالا بالأمانة العلمية ولا من السرقات :
1- الزيادة على الكلام المنقول، ولكن بوضع الكلام الجديد بين قوسين .
2- الخطأ في نقل كلام الغير ، أو حصول التصحيف، فإن المؤلف يعذر .
3- اختصار المؤلف كلام غيره ، ولكن بشروط:
أ- أن يُشير إلى ذلك وينبه عليه.
ب- أن لا يُخل بمقصد القائل.
وهذه الأمور الثلاثة ذكرها الشيخ:بكر أبو زيد في كتابه ( تحريف النصوص ) وقد اختصرتها هنا .
وهنا ومن ضوابط التأليف أيضا:
1- بدء التصنيف بالبسملة، ودليله:
أ- الإقتداء بكتاب الله عز وجل، إذ كل سورة فيه بدأت بالبسملة إلا براءة كما هو معروف .
ب- وقيل إقتداء بفعل الصحابة إذ أنهم بدؤوا المصحف العثماني بها.
ج- وكذلك إقتداء بكتب النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يرسلها للأقوام،
ومثاله كتابه لهرقل وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد...) البخاري
د- ولأن هذا ما جرى عليه عمل أهل العلم في مصنفاتهم.
2- الإكثار من التبويب: ( إنما بُوِبت الكتب ليكون ذلك أنشط للطالب ، إذا ختم بابا شرع في آخر و أبعث لهمته ، كالمراحل التي يطلبها المسافر ليرتاح عندها ، ولذلك كان القرآن سورا، لأنه أسهل في وجدان المسائل ، وأدعى للترتيب.. ) . ذكره الشيخ سلمان الحمدان في كتابه الدر النضيد شرح كتاب التوحيد
3- وجود مقدمة للكتاب
تتكلم في المقدمة عن سبب تأليف كتابك، وتذكر نبذة عن مواصفاته ومميزاته.
4- عرض المؤلف على مدقق لغوي
5-حسن اختيار تصميم الغلاف وأسلوب الصف السهل الواضح للمحتوى
لأن لحسن المظهر والتصميم أثر كبير في جذب القارئ للكتاب والتشجع على اقتنائه.
6-الحصول على الرقم التسلسلي الدولي لحفظ الكتاب
وذلك حفظا للكتاب من أن يسرق محتواه وينسب للغير أو أن يطبع ويباع من غير إذن المؤلف. (ردمك نبر)
والحمد لله رب العالمين
كتبه الحارث زيدان المزيدي
عودة