بسم الله الرحمن الرحيم
كنت في ذات يوم اطالع كتاب سير أعلام النبلاء فوقعت على قصة عجيبة للعالم مالك بن دينار في حسن التصرف واحتواء الموقف.
القصة هي:" دخل لصٌ بيت مالك بن دينار، فما وجد شيئـــاً يأخذه فشعر به مالك فناداه: لم تجدْ شيئاً من الدنيا !! فهل ترغب في شيء ٍ من الآخرة ؟
فقال اللص : نعم !
قال مالك : توضأ فصل ركعتين ففعل ،ثم جلس وخرج معه إلى المسجد ، فسُئل مالك : من هـذا؟
فقال : جاء ليسرق فسرقناه!
هذا التصرف الحسن ما هو إلا ثمرة من ثمار العلم والعمل به، اعلم يا طالب العلم أنك إنسانٌ متميز، لماذا؟؟ لأنك طلبت شئ تميزا، وقيمة كل إنسانٍ ما يطلبه، وأنت طلبت كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فقيمتك بقيمة ما تطلب .
1- قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل تعلم العلم وتعليمه
عن أبي هريرة مرفوعا :" من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له " صحيح ابن حبان
بوب عليه ابن حبان قائلا(ذكر التسوية بين طالب العلم ومعلمه وبين المجاهد في سبيل الله)
2- ومما يبيّنُ لك أيضا قيمة العلم وتعلمه ، ما قاله السيوطي –في كتاب البدعة-
" واعلم أن العالم لا يدخلُ عليه إبليس إلا مسارقة ، وأما المتعبدون بلا علم فإنه يُلبِّسُ عليهم في فنون التعبد أشياءً يعتقدونها فضيلة أو أفضل من غيرها وهي خلاف ما يظنون..ومنها إيثارهم التعبد عن علم.
قلت:ولذا فعلى الإنسان أن تكون له يدٌ في طلب العلم – ساعة يومية تحميك من كيد الشيطان أو تقلل منه.
3-ومن فضائل العلم وآثاره على الإنسان : أن العلم يدفع صاحبه للتوفيق في دنياه وآخرته
في تصرفاته وإختياراته ، فليس تصرف العالم وكتصرف غيره، تصرف العالم متضمن لحكمة أكثر، لأن الشريعة ومصالحها في ذهنه.
قال جنيد : كل حالٍ لا يكونُ عن نتيجة علمٍ وإن جلَّ فإن ضررهُ على صاحبه أكبرُ من نفعه.
وقال أبو حفص النيسابوري:من لم يزن أحواله كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده
لنضرب لكم بعض الأمثلة على حسن تصرف العالم
المثال الأول :
حديث، فعن عبدالله بن عباس قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن عندي امرأة هي من أحبُّ الناسِ إليِّ ، وهي لا تمنعُ يد لامسٍ ! قال: طلقها . قال : لا أصبر عنها قال : استمتع بها صحيح النسائي وصححه ابن حزم في المحلى والسخاوي في الأجوبة المرضية
المعنى: هذا رجل عنده امرأة ساذجة أو قليلة العفة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فافتاه بأن يطلقها، فأظهر هذا الرجل مفسدة قد تترتب بسبب طلاق وهي تتبع نفسه لها، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على المفسدة الصغرى ودفع المفسدة الكبرى والمفسدة الصغرى هي سذاجتها والكبرى هي وقوعه معها بالزنا بعد الطلاق. وهذا من عظيم حكمته وحسن اختياره
المثال الثاني:قصة وكيع والرجل الذي سبّه
أغلظ رجل على وكيع بن الجراح فدخل فعفّرَ وجهه بالتراب، ثم خرج وقال: " زِد وكيعا بذنبه، فلولاه ما تسلطتَّ عليه".. سير أعلام النبلاء 9/155
المعنى: أن الله سبحانه يسلط على العبد بسبب ذنوبه من يؤذيه، فعقل ذلك وكيع وعرف منشأ الأذى فعاتب نفسه وأحسن التصرف.
وهنا لابد من بيان مسألة وهي :ما هو العلم الذي ينبغي عليك أن تدرسه وتتعلمه
ج: هو ما قاله الله وما قاله رسوله صلى الله عليه وسلم
قال ابن القيم: العلم قال الله وقال رسوله وقال الصحابة هم ألو العرافانِِِ.
وقال غيره:
ما العلم إلا كتابُ الله أو أثرٌ يجلو بنورِ هداه كل ملتبسٍ
نورٌ لملتبسٍ خيرٌ لمقتبسٍ ُرحمى لمحترسٍ نِعمى لمبتئسٍ
فاعكف ببابهما على طلابهما تمحو العمى بهما عن كل ملتمسٍ
ومن فوائد أخذ العلم من القرآن والسنة من غير التعلّق بالمذاهب دونهما
:1- تحصيل الاطمئنان واليقين 2-قوة الحجة 3-أقرب طريق للحق.
وينبغي أيضا لمن يريد أن يحصل الثمرة، ثمره العلم أن يصبر ويديم الطلب ويدفع الملل
انظر لهمة السلف :
كان الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه
ويقول ابن الجوزي عن نفسه :وإني أُخبر عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب ، وإذا رأيت كتابا لم أره فكأني وقعت على كنز ، ولو قلت إني اطلعت على 20000 مجلد وأنا بعد في الطلب .
وانظر لهمة شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري : قيل إنه عقد على تفسير قوله تعالى :
" إن الذي سبقت لهم منا الحسنى ..." الآية ، ثلاثَ مائةٍ وستين مجلسا.
فهذه قبسات في الطلب العلم فانظر نفسك متى ستبدأ
عودة