(5) سماحة الإسلام في هذا الموضوع :
اعلم أن من سماحة الإسلام أنه إذا حرّم شيئا جعل مكانه بديلا مباحاً، ومن سماحته أنه وضع كل شيء في موضعه المناسب .
فهو لما حرم المعازف بشتى أنواعها أجاز الضرب بالدُفِ مع الغِناء ،
وذلك في مناسبات مختلفة، منها: الأعراس.
قالت الربيع بنت معوذ : جاء النبيr فدخل حين بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين. (صحيح البخاري 5147،كتاب:النكاح ،باب: ضرب الدف في النكاح والوليمة )
ومنها: العيدين:الفطر و الأضحى
لحديث عائشة رضى الله عنها قالت : دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث قالت وليستا بمغنيتين ،فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله r وذلك في يوم عيد فقال رسول الله r يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا.(البخاري حديث رقم952 ومسلم واللفظ له ، كتاب صلاة العيدين ، باب الرخصة في اللعب...)
وقيل:الاحتفال بحضور الغائب : لحديث بريدة ، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنتُ نذرتُ إن ردّك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها رسول الله r :"إن كُنتِ نذرتِ فاضربي وإلا فلا " فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب،
ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليه فقال رسول الله r "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف" (صحيح الترمذي 3690 ،كتاب المناقب ،باب مناقب عمر )
وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة الدالة على سماحة الإسلام إذ لم يُحرِّم على الناس الترفُه بالغناء والاستماع للدف في المناسبات بل ندبهم إلى ذلك لكي يحصل الفرح والسرور .
تنبيه : لا تجوز الموسيقى سواءٌ في الأعراس أو في الأعياد ... وإنما الجائز ما ذُكِر من دُفٍ وغِناءٍ .
تنبيه آخر : بما أن الموسيقى محرمة فلا يجوز جعلها في الهواتف النقالة – كما هو حاصل اليوم –
فللأسف أنتشر ذلك بين الكثير من الناس -وحتى بين بعض أهل الاستقامة- –تساهلا منه وتهاونا- وكأنّه لا يأبى بالناس ولا يحترمهم فهو يخالطهم ثم لا يُبالي بمشاعرهم وكرههم -ولو بعضهم- لهذا العزف،
فعلى الإنسان أن يُحِبّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه من الخير كما أرشدت إلى ذلك الشريعة
فهو لا يُحب أن يؤذيه الناسِ فكذلك لا ينبغي أن يؤذيهم .
ولُيفكر: ما الفرق بين تشغيل شريط الموسيقى، وبين هذه الرنة الموسيقية التي تصدر من هاتفه؟ لا فرق فالأول محرم بلا شك والثاني عن حكمه لا ينفك .
تنبيه ثالث : نقول لمن أُبتُلِي بإدمان النظر إلى التلفاز: لا شك أنك تستمِع لكثيرٍ من الموسيقى التي تكون مع الإعلانات ومع بعض البرامج أو الأخبار وما شابه، فعليك أن تُحكم الوضع
بأن تُسكِتهُ إن نطق بها وهذا الأمر واجب و هيِّنٌ وسهل –عن طريق جهاز التحكم-
(6) وهنا بحث أُتمِمُ فيه ما سبق ، وفيه الرد على من ضعّف الحديث الأول ،
أو أوّله وحرّف معناه فصار إلى نتيجة خاطئة وهي تحليل الموسيقى .
فممن قال بجواز الاستماع للمعازف-وهم قلة جدا-أبو محمد ابن حزم الظاهري ومن قلده كالقرظاوي والغزالي
فقد ضعّف الحديث الأول : ليكونن في أمتي أقوام..... " فذكر أنه منقطع بين البخاري وبين شيخه هشام ابن عمّار، لأن البخاري لم يقل:(حدثنا) هشام ،ولكن قال:(قال هشام) وهذا يدل على أنه لم يسمعه منه .
وقوله هذا ليس بصحيح لأمورٍ :
1) تعليق البخاري للحديث على شيخه هشام لا يضر ، لأنه لقيه وسمع منه، فالتعليق عليه محمولٌ على سماع الحديث منه، وعليه فلا انقطاع بين البخاري وشيخه .
2) البخاري أورد الحديث بصيغة الجزم بقوله (قال هشام) وهذا يدل على أنّ الحديث صحيحٌ عنده، ومعلوم عند أهل العلم أن المعلقات التي عند البخاري التي أوردها بصيغة الجزم (قال –حكى–روى..) أنّ لها حكم الحديث الصحيح (أنظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 1/218، عند كلامه على المعلق)
3) قول الراوي (قال فلان) بمنزلة قوله(عن فلان) في كونها محتملة للسماع ، فإن كان قائلها غير موصوف بالتدليس،كان قوله (قال فلان) محمول على الاتصال على الصحيح الذي عليه الجمهور (رسالة ذم الغناء..ص24) وعلى هذا فلا ضرر في قول البخاري:(قال هشام) لأنها بمنزلة قوله: (عن هشام) وهي –العنعنة – محمولة على السماع من غير المدلس،خاصة إن كان بينها لقاء.
4) وسبب تعليق البخاري هذه الرواية هو تردده في تعين اسم الصحابي (بين أبى مالك وأبى عامر)
وهذا التردد لا يضر أبدا لاتفاق أهل العلم على عدالة الصحابة فسواءٌ ذكر اسمه أو تردد بين صحابيين أو لم يُسمِّهِ وقال :(عن صاحب رسول اللهr ) فلا يضر لأن الكل عدولٌ .
5) لو نسينا هذا كله ونسينا رواية البخاري فالحديث صحيح ومتصل عند غير البخاري، فقد رواه أبو داود في سننه كتاب اللباس ،باب : ما جاء في الخز ، والبيهقي في سننه الكبرى والطبراني في معجمه الكبير كلهم رووه بطرق متعددة ومتصلة إلى هشام بن عمار شيخ البخاري
فقد تابع البخاري على هشام بي عمار سبعةٌ من الرواة.
والمتابعة تعني اشتراك راوي مع راوي آخر في أخذ الحديث عن شيخ واحد وهذا يجعل الحديث اكثر قوة.
وبمعنى آخر: البخاري قال (قال هشام ) ولم يصرح بالسماع منه بقول:(حدثنا هشام)
فهذا لا يضر لأن غير البخاري روى الحديث وقال(حدثنا هشام) فصرح بالسماع، وهم سبعة من الرواة
فلا يبقى مع هذا حجة للمخالف .(وأنظر تحريم آلات الطرب، للألباني ص40)
عودة